|
الانتماء
إلى
الحضارةِ
والعيش في ظلّها
د. تيسير الناشف
*
الحضارةُ،
حسبَ
أحدِ
التعريفات، "ثقافةٌ
متقدمة".(1) ويُمكن
تعريفُ
الثقافةِ
بأنها
"جميعُ
اشكالِ
التفكيرِ
والسلوك والإنتاج
التي تُتناقَل
من جيل واحد
إلى
الجيل التالي بواسطة التفاعلِ
الاتصالي -
أي
بواسطة الخطابِ
والإيماءات
والكتابة والبناء وجميع
]أشكال[
الاتصال الأخرى
فيما بينَ
البشر وليس بواسطةِ
النقل المورَّثي
أو
الوِراثة".(2)
وفي معرِض
الكلام عن الحَضارة
يجب التمييزُ
بينَ
الانتماء الى الحضارة والعيشِ
في ظلِّها.
يُمكن
لمرء
أو
شعب
أن
يعيش في ظل حضارة معينة دونَ
انْ
يكونَ
منتميا
إليها
أو
جزءا منها. ومن معاني العيش في ظل شيء التأثرُ
به وأداءُ
الدور السلبي فيه، ومن معاني الانتماء الى شيء التفاعلُ
معه. ويتجسد هذا التفاعلُ
في التأثر به والتأثير فيه، والمشاركةِ
في نشوئه وتطوره.
توجد حضارةٌ
علمية وتكنولوجية غربية مهيمنة. وفي الحقيقة
أنَّ
الحضارة التي يعيش البشرُ
في ظلها في الوقت الحاضر ليست الحضارةَ
العلمية والتكنولوجية فحسبَ،
ولكنها ايضا الحضارةُ
المتسمة بالطابَع
العالمي وبسرعة نقل المعلومات الكثيرة عبرَ
الشبكةِ
الدولية وبالغُلُوّ
في الاستهلاك وبسيطرة الشركات عبرَ
الوطنية المتعددةِ
الجنسيات. وتُعطي
هذه السماتُ
الثقافية والحضارية القوةَ
والهيمنة للجهات التي تُحْسِن
استعمالَها
وتعرف كيف تُسَخِّرها
خدمةً
لأغراضها.
ومن المُشاهَد
أنَّ
الجهاتِ
الغربيةَ
تُسَخِّر
هذه الظواهرَ
الحضارية نهوضاً
بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. ولمْ
تقطعْ
الشعوبُ
العربية، وسائرُ
شعوبِ
العالم النامي، شوطا طويلا في تسخير هذه الظواهرِ
لخدمة
أغراضها
الاقتصادية والقومية والاستراتيجية.
وتعيش شعوبٌ
كثيرة، منها الشعبُ
العربي، في ظل هذه الحضارة. ولا يَقبَل
كثيرون من ابناء الحضارات العريقة، ومنهم
أبناءُ
الحضارة العربية، ومن المثقفين الواعين ومن
أصحابِ
الحس القومي
أنْ
يكونوا عائشين في ظل حضارة غيرِ
حضارتِهم.
إنهم
مُحِقُّون
في رفضهم لأنْ
يكونوا في الظل. يريدون
أنْ
ينتقلوا الى دائرة الضَّوء
الحضاري وأنْ
تنتقل شعوبُهم
الى دائرة الضَّوء
في مضمار العطاء الحضاري العالمي.
ووجودُ
حضارة علمية وتكنولوجية مهيمنة لا يمنع طبعا وجودَ
حضاراتٍ
متميِّزة
لكثير من الشعوب، حضارات تحمل خصائصَ
تلك الشعوب. وفي الحقيقة
أنَّ
اوروبا ليست المصدرَ
الوحيد للحضارة العلمية والتكنولوجية، فالثورةُ
العلمية والتكنولوجية نتاجُ
تطورٍ
انساني دام قرونا كثيرة. وقد
أسهمت
في هذا التطور شعوبٌ
ذات حضارات آسيوية وأفريقية
وغيرِها.
ولدى كثيرين من الغربيين نزعةٌ
إلى
إنكار
دَور
الحضارات غير الاوروبية في نشوء وتطور الحضارة العلمية
والتكنولوجية كما نعرفها اليوم. وبُذِلت
وتُبذَل
محاولاتٌ
غربية كثيرة ومنتظمة لطمس الأثر
الحضاري غير الغربي في الحضارة الأوروبية.
غيرَ
أنَّ
بعضَ
الدارسين الغربيين وغير الغربيين وضعوا دراساتٍ
أقَّرت
بالأثر
الحضاري غيرِ
الغربي الإيجابي
في الحضارة الاوروبية. ومن هؤلاءِ
برتالُ
مؤلفُ
كتاب "اثينا السوداء: الأصولُ
الأفريقية
الآسيوية للحضارة الغربية."
ويجدُر
بالشعوب غير الغربية
أنْ
تدرُس
تاريخَ
نشوء الحضارات الأوروبية
والأفريقية
والآسيوية والأمريكية
الأصلية
وأنْ
تدرُس
تاريخَ
التفاعل والتلاقُح
الحضاريين ووجوهَ
تأثير الحضارات غيرِ
الغربية في الحضارة الأوروبية.
ويتعين على الدارسين الحريصين على الكشف عن الحقيقة التاريخية
أنْ
يتعمقوا في دراسة تاريخ نشوء الحضارات وتطورها والتأثير بينها. هذه
الدراسةُ
أمر
على جانب كبير من الأهمية
بالنسبة
إلى
الشعوب النامية التي تُصوِّرها
جهاتٌ
غربية على صورة الشعوب التي ليس لها
إسهامٌ
في الحضارة العالمية.
لقد
أسهمتْ
الحضارةُ
العربية في عهد ازدهارها في نشوء الحضارة الأوروبية
إسهاما
كبيرا. وعلى سبيل المثال فإنَّ
اللغةَ
العربية بصرفها ونَحوها
وأوزانِ
أفعالها
وأسمائها
مُنجَزٌ
حضاري عظيم بكل المقاييس. وقد استفاد الأوروبيون
وهم يضعون لَبِناتِ
الحضارة الأوروبية
من
أصول
وقواعدِ
التفكير العلمي والفلسفي ومن المناهج التجريبية التي طورها العلماء
العرب. وقد
أسهمتْ
أيضا
المُنجَزاتُ
الفلسفية والعلمية والتكنولوجية التي حققتها الحضاراتُ
الهندوسية والصينية والمصرية القديمة والآشورية والكنعانية
والفينيقية
إسهاما
كبيرا، عن طرق منها طريق الحضارة العربية الإسلامية،
في التطور العلمي والفلسفي والتكنولوجي للحضارة الاوروبية. وكان
للحضارة العربية الاسلامية
أثرٌ
هام جدا في
أوروبا
القرون الوسطى عن طريق
إسبانيا
والبرتغال وفرنسا وإيطاليا
وصقلية. وكان للحضارة المصرية القديمة
أثرٌ
كبير في الفكر الديني والفلسفي والعلمي اليوناني القديم.
------
(1) William Kornblum, Sociology
in a Changing World (New York: Holt, Rinehart and Winston,
1988), p. 94.
(2)
نفس المرجع، ص
85.
* كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة
|