عشتار
أحمد نظير أتاسي*
عشتار اُبسطي
يدَيْكِ
بحاراً و بحارا
و احملِيني
إلى ساحلِ النّجم البعيد
عشتار
انفخي روحكِ في فمي
و اقلعيني
من طين أحلاميَ المعلَّبة
عشتارُ اقرصيني
لأُحسَّ انَّ الإلهَ يوماً
سَمعَ أنيني
لأنّي لا أثقُ أنَّ الإلهَ
سيعودُ يوماً ليعطيني.
كان صغيراً
ينامُ و يحلُمُ بخصرِكِ
خصرُكِ عشتار
صخرةٌ صيفيّة
ملساءُ
صخرةٌ بركانيّة
خصركِ عشتارُ
غوايةُ النّجمِ
لشمسِ الصُّبحِ
همسَةُ الحبِّ
في أُذنِ الحبيب
و كلُّ ما اشتهى الصّبيُّ
في ليلةِ العيد
خصرُكِ آهةٌ طويلةٌ
إلهةٌ سكرى
تلهو تمزِّقُ
كلَّ ما اتَّفقَ عليه الدّعاةُ و الأنبياء
و كلَّ ما عبَدَ المؤمنون و الأتقياء.
كان يُغمضُ عينيهِ و يسير
دونَ هدايةٍ
دون رواية
كذرَّةِ رملٍ في صحراءَ
لا يبدو لمللِها نهاية.
عشتار
تنامُ الليلَ تضمُّني
تذهبُ في الليلِ
وهي تضمُّني
تشربُني عصيرَ فاكهةٍ
و تغفو
تستعيرُ كلَّ المصابيحِ
من كلِّ الليالي الجّميلةِ
و تحلُمُ بشُطوطٍ نائيةٍ
شُطوطٍ استوائيّة
وحيدان أنا و هيَ
و شُعاعاتُ الشّمسِ البدائيّة
عشتارُ أسرّتْ بي إلى شاطئِها
أحرقَتْ مراكبَها
و أسَرَتْني بين بحارِها
عشتارُ أميرةُ الليلِ و ملِكةُ النّهارِ
و كلُّ ما ادَّعى الحبُّ من نسماتٍ
قُبُلاتٍ
و قطَراتِ ندى.
عشتارُ تصحو
قبل أن تفتَحَ عينَيها
تصحو و تفتحُ يدَيها
تبحثُ عن وجهي
في بقايا أحلامِها
تلوِّنُه بكلِّ ألوانِها
و تصحو عليه
شفتاها قُبلةُ الإلهِ
و أسرابُ أحلامٍ ملائكيّة
تدعوني أُقبّلُها
و إنّي لا أملكُ إلاّ
عبادةَ الآلهةِ الصّباحيّة
عشتارُ صحوي المبكِّرُ
أصحو قبل يدَيها و عينيها
لأراها تصحو
قهوةُ صُبحي و طعامُ نهاري
و كلُّ ما اختلقَتْ صلَواتي
من أعاجيبَ
لتُتعِبَ الإله.
عشتارُ بحرٌ صغيرٌ
يريدُ أن يغمرَني
يحارُ يغمرُني
يعطيني خَيْمةَ شَعرِه
همساتِهِ
لمساتِهِ
و ينهمرُ عليَّ
موجةً إثْرَ موجةٍ
قُبلَةً إثرَ قُبلة
عشتارُ تهمسُ لغتَها
على شفتِي
على صدري
و أحارُ التّأويل
عشتارُ روحٌ شفّافةٌ
حينَ أُغمضُ عيني أراها
عشتارُ رسمَتْ شفتيها
لأُحبَّها
عشتارُ كحّلَتْ شَعرَها
لأُحبَّها
عشتارُ ألَّقَتْ عينيها
لأُحبَّها
عشتارُ صنعَتْ صُغْرَها
حتّى
لا أَتعبَ في حبّها.
عشتارُ تلمسُني
لتحرِقَني
لتُؤلمَني
فأنتشي
كالبحرِ في صحوة
كالبحرِ في ثورة
عشتارُ تحرقُني جمَراتٍ
و ترشُفُني قطراتٍ
عشتارُ من حُلُمٍ
عشتارُ من ألَمٍ
عشتارُ صحوَتي حين أصحو
و غفوَتي حين أغفو
عشتارُ حُلُمُ النّشوةِ
حُلُمُ الرّعشةِ
في ثورةِ حبّ
عشتارُ تأخذُ شكلَ الوردةِ
شكلَ الحمامةِ
شكلَ الإلهةِ
تأخذُ شكلَ امرأة
شفتاها ترشفانِ جسدي
و يداها تجمعانِ انصهاري
ثمّ تنثرُ ريحَها
شَعرها
جسدَها
غطاءَ موتي
نشوتي في لحظة
تُحييني و تبعثُني من جديد
عشتارُ تُغمضُ عينَها
و تفتحُها كألفِ نجمٍ
عشتارُ قبضةُ ياسَمينٍ
و كلُّ ما نثرَتْ
قبائلُ
بدائيّةٌ
في غاباتِ الأمازونِ
من عِطرٍ
و حرقَتْ من بُخور
عشتارُ طَلَعَتْ
هديّةَ الشّمسِ
من هرمِ المايا
لتغمرَ كلَّ مساجدي
بألوانٍ
لم يعرِفْها إلهي
و لا أيٌّ من سكّان الصّحراء
صحراءِ اللونِ الواحدِ و الموتِ الأبديّ.
عشتارُ
لا تعرفُ أنّي سأموتُ يوماً
لا تعرفُ أنّها ستموتُ يوماً
عشتارُ تنسى
لتَخلِقَ الحياةَ
فأنسى
و أعيشُ في أبديَّتِها
لحظاتٍ من الخلود
فأنسى كلَّ ما صنعَ الموتُ
من آلامٍ
كلَّ ما صنعَ الموتُ
في كفّ وجهي
من تجاعيدٍ
و في كفّ روحي
من أخاديد
عشتارُ
حين تتركُ غرفتي في الصّباحِ
ينوح السّريرُ
فأجمعُ كلَّ ما نثرَت
من دِفءٍ
من قُبلٍ
على المِخدّةِ
على السّريرِ
على الغطاءِ
على وجهي
و أحوكُ ذِكرى
لأحيا إلى ليلةٍ أُخرى.
------------------
* شاعر سوري يقيم في الولايات المتحدة
|