في هذا العدد

 

تحية طيبة


شعر

  - لاتضيقي أيتها الأرض
     حسين حبش

  - القابلة

    مفيد البلداوي

  - عشتار

    أحمد أتاسي

  - إلى طير جارح

    إباء اسماعيل

  - غناء فحسب

    حميد العقابي

  - قصيدتان

    مرح البقاعي

  - من ملاحظات في الشارع رقم 94

    د . هـ . ملحم

 

قصة

  - حضن هو الدنيا

     سلام ابراهيم

  - الملكة

     فراس سليمان

  - طريق البنفسج

     سعيد مكي

  - نقطة تفتيش

     باتريشيا ورد

 

ملف

  - الشعر والمصير في متاهة المعنى

     إعداد : فادي سعد

 

نصوص

  - الكتابة في درجة 32 تحت الصفر

     عدنان الصائغ

  - سفر مؤجل لبنت في البرية

     فرات إسبر

 

تابو

  - تنظيم الأسرة: مسؤولية من؟

     د . ثناء الشلبي

 

شاهد

 

السنة الأولى - العدد  الثاني  ،  شباط / فبراير 2005   

 First year . Issue No: 02 - February  2005 
 

نقطة تفتيش

جزء 1

قصة : باتريشيا ورد Patricia Ward *

نقلها إلى العربية: لطفي حداد**

 

في وقت قصير، شتت السوريون القوات الدرزية والشيعية واستلموا زمام الأمور في بيروت. وبعد عدة أيام من هذا السلام النسبي، انطلقت بعض السيارات العسكرية مع شاحنة إلى الساحة في أعلى شارع "نائلة"، وفرّغ الجنود أكياس الرمل بشكل نصف دائري وبنوا كوخاً خشبياً خلفها، وعلقوا علماً سورياً بالياً فوق المدخل، كما وضعوا بعض الحجارة أمام دواليب الشاحنة كي لا تهوي إلى المنحدر.

بعدها غطوا الشاحنة بغطاء مموّه جعلها تنتصب كهدف في الساحة العارية. نصبوا خيمتين قربها وامتد سلاحٌ من نافذة الكوخ الخشبي ووقف جندي هناك لينظم حركة الطريق.

 

اضطربت أم "نائلة" السيدة عيّاش وقالت: "لم يكفهم أن يجتاحوا بيروت، وها إنهم يدخلون في أعماق حياتنا". لكن نائلة وجدت هذا التطور الأخير مسليّاً رغم نفورها التلقائي من السوريين. صارت نقطة التفتيش تضيء بمصابيح الكاز كل مساء ويجتمع حولها الجنود جالسين على كراسٍ وبأيديهم أسلحتهم مسنودة إلى أرجلهم وركبهم ، يقضون وقتهم يلعبون الورق والنرد حتى ساعة متأخرة. كانت نائلة من شرفتها تسمع صوت النرد على رقعة الخشب وحركة القطع الصغيرة وهي تتحرك إلى أمكنة جديدة، ثم  انفجار أصوات غاضبة أو منتصرة. كل ذلك كان مشهداً تتابعه وتصغي إليه. وعندما يتعب الجنود ويذهبون إلى خيمهم التي أضيئت مداخلها بحيث تستطيع نائلة أن ترى الأسرّة والصناديق والشراشف المعلقة ، تذهب هي أيضاً إلى غرفة نومها.

 

من نافذتها لا تستطيع أن ترى الكثير.. ربما فقط الساحة الممتلئة بالأوساخ حيث يلعب الأولاد بالكرة وأشياء أخرى طوال اليوم، والبناية الأخرى على الطرف المقابل من الساحة ما تزال مأهولة بالعائلات الفلسطينية، رغم أن الرجال قد أُخذوا بعيداً عندما جاء السوريون منذ عدة أسابيع.

كانت الشرفات مزدحمة بصفوف من حبال الغسيل والثياب المعلقة عليها كما أن النساء يقضين نهارهن في الصياح للأولاد في الشارع. بقيت هذه البناية حديثة العهد عندما ابتدأَتْ الحرب وسكنها الفلسطنيون لسنوات عدة.

 

في ذلك اليوم جاء السوريون من أجل الرجال، وحاصروا الشوارع المحيطة وصفّوا عدة شاحنات أمام البناية. وأمام عيون المخابرات ساق الجنود كل الرجال إلى الشاحنات بينما كانت نساؤهن يوَلْولن من الشرفات كأنهن في مأتم. بعد عدة ساعات انسحب السوريون بعد تفتيش دقيق لكل البيوت في الجوار مما جعل الناس يشتكون بسبب الأوساخ المتراكمة، والأسئلة الفظة واستخدام العنف في بعض الأحيان.

وقد عرف الجميع أن هؤلاء الرجال الفلسطينيين سيؤخذون إلى السجون السورية وسوف يستجوبون ويُقتلون وليس بيد أحد أن يفعل شيئاً سوى الانتظار.

سمعت نائلة أن الأطفال والنساء سوف يُهجَّرون، وقد وجد صاحب العمارة هذا "السلام السوري" فرصة مؤاتية لاسترداد بنايته.

عندما أُخذ الرجال، صرخ الجنود بالناس عبر مكبرات الصوت أن يبقوا في الداخل، لكن نايلة قررت أن تخرج إلى الشرفة.. هل يمكنهم أن يطلقوا النار على فتاة في شرفتها!!.  وخرجتْ.. واندهشت وفزعت لصراخ الرجال والنساء المسوقين إلى الشاحنات.. كانوا كلهم فلسطينيين لكنهم حتماً أفضل من السوريين. تخيّلتْ نفسها تحمل رشاشاً وتطلق على السوريين وتفجرهم جميعهم بلحظة واحدة.

صرخ أحد الجنود بها أن تدخل لكنها تظاهرَتْ بعدم سماعه، عندئذ صاح الجنديّ بعنف لكنها بقيت واقفة منقطعة النفس. وعندما صوب نحوها سلاحه لم تستطع الثبات فركضت إلى الداخل. جلست على سريرها مُصغية للصراخ والعويل، منزعجة من سرعة انهزامها.

 

في الأسابيع اللاحقة تعرفت نائلة إلى أحد الجنود في نقطة التفتيش. قال لها لعدة أيام " اسمي قديم وممل : زياد  " .. " اسمكِ برعم وردة سرّي في فمي عندما أتهجى حروفه تتفتح تويجاته فأنتشي".

أجابت نائلة بفظاظة في المرة الأولى: لماذا لا تكتفي بالسؤال عن أوراقي فقط؟. وأرادت أن تنطلق بسيارتها لكنها لا تستطيع فعل ذلك بالطبع إذا لم يُسمح لها.

تظاهر الجندي بخيبة أمل كبيرة لأنها لم تفهمه وقال: أتمنى أن تعطينيي اسمكِ برغبتك التامة.

واستمر ذلك بشكل يومي تقريباً حتى شعرت نائلة أنه شخص غير مؤذٍ، وعندما أخبرته اسمها ذات يوم طلب شهادة السواقة للتأكيد، وصارت نائلة تنتظر عباراته اليومية أو تتوقعها على الأقل.

عندما كانت نائلة تقضي سهرتها على الشرفة مساء، كانت تفهم الاختلاف والفرق بين حياة زياد وحياتها. فهو جندي بسيط في الجيش السوري، وهل هناك أسوأ من ذلك، بينما هي طالبة جامعية وإن لم تكن أفضل الطالبات. هو ربما من عائلة فقيرة، وإلا لكان ضابطاً..أما هي فإن سمعة عائلة والدها والمال الذي جمعه قبل وفاته يعطيانها امتيازاً خاصاً. وفي الوقت نفسه وجدت نائلة هذه التناقضات الجميلة ، فهُما من العمر نفسه رغم أنهما يعيشان في عالمين مختلفين بحدة. لقد اشمأزَّتْ منه لأنه سوري محتلّ وليس وسيط سلام. لكنها أيضاً أرادت أن تنظر له بموضوعية.

كان التناقض المثير للسخرية بالطبع أنّ عائلته ربما تعيش من دخله بينما كانت هي بلا أمل ، رغم أنها أمل أمها الوحيد. كانت نائلة قد رسبت في أحد صفوفها، وكانت خطة أمها ، بأن تراها مُعتمدة على نفسها وتعمل لتعيش مستقلة في حال وفاتها لا سمح الله، صعبة التحقيق. وإذا كانت نائلة قد حققت شيئاً من ذلك فإنه يعود إلى تصميم أمها. أحياناً عندما تكون نائلة في الخارج تشرب بعض الخمر في مقهى ما ، تتخيل خيطاً يربطهما.. خيطاً أبيض دقيقاً وقوياً إحدى نهايتيْه مربوطة إلى قلب نائلة يعصره، والأخرى إلى جرح حول كفّ أمها.

 

يوم الجمعة حضّرت نائلة ورغدة نفسيهما للخروج كعادتهما عندما لا تكونان متخاصمتين . أحضرت السيدة عياش بعض الشاي لهما وهما ترتديان الثياب، وتضعان المكياج وتلبسان الأحذية.

قالت لهما مشيرة إلى الكعوب العالية: تبدوان كالطيور.. احذرا الوقوع.

جلست السيدة عياش على جانب السرير تراقبهما وهما تضعان الكحل وأحمر الشفاه، وحين رشرشتا العطر الهندي سدّت أنفها. كان الهدف من العطر أن يجعل الشفاه تتخدر، لكنهما لم يخبراها بذلك. وأدركتْ رغدة قائلة: لن يبقى من الرائحة الكثير في الحفلة.

قالت السيدة عياش: كيف حال أمك؟

_ بخير.

_ الحمد لله

لقد رفضت نائلة اجتماع السيدتين لأنها تظن أنهما لن تتوافقا، وقد أغضب ذلك السيدة عياش.

قالت مشتكية: لماذا تخرجان دائماً؟ هل سيكون بسام هناك؟ كانت السيدة عياش تحترم بسام صديق نائلة في الجامعة لأنه كان مهندساً متقدماً وأبوه معمارياً معروفاً.

_ نعم يا أمي

_ يسعدني ذلك، لأنك تحتاجين إلى مرافق. لو كان أبوك حاضراً ماذا تظنينه يقول؟

_ لا شيء يا أمي

لقد توفي والد نائلة عندما كانت في الخامسة قبل الحرب. وكانت السيدة عياش تهدد ابنتها بأشياء ربّما يقولها والدها كأن نائلة ووالدها يلتقيان في الحياة الأخرى. انزعجت نائلة من تفكير أمها وقالت:

_ أليس لديكِ ما تعملينه في المطبخ؟

تغيرت تعابير وجه السيدة عياش حتى زالت تماماً وهذه هي طريقتها في التعبير عن الألم. ظهرت آثار الجرح على عينيها فقط. وتظاهرت نائلة بعدم الانتباه. ووضعت الكثير من أحمر الشفاه القاني.

لدى نائلة صورة لأبيها أُخذت في رحلة للشمال قبل ولادتها. كان يقف قرب سيارة من الطراز القديم. يده على غطاء المحرك، وذقنه عالية قليلاً.. لاحظت أن ملامحه تشبه ملامحها. وتقول أمي: عندما أغمضُ عينيّ قليلاً أصير قريبة الشبه به جداً. تخيلت نائلة أباها مثلها وقع في شراك أمها وربما مات ليتخلص منها. وإذا التقتْ أباها في الحياة الأخرى فإنّها تشك أنه سيعاقبها.

مكثت السيدة عياش هناك معهم رغم الصمت المربك. رتبت الفراش، وكنست الغبار، هنا وهناك، بينما عيناها تراقبان ابنتها بشكل خفيّ.

وخرقت الصمت نائلة قائلة: ماذا يجري هنا يا أمي؟ هل أبدو غبية لك؟

_ يجب أن تهتمي بدراستك كي تتخرجي؟

أجالت نائلة طرفها ثم ابتدأت تضع خواتمها ، الواحد تلو الآخر. عليها أن تستمتع بحياتها الآن لأن أمها ستكتشف لاحقاً علاماتها في الدراسة لأنها سكرتيرة أمين السجلات. ورغم الدروس الخصوصية التي قام بها بسام إلا أنها على الأغلب ستضطر لإعادة الفصل الدراسي. مشت السيدة عياش وراء الفتاتين مرتدية جرابين دون حذاء تخشخش بالأساور التي قررت نائلة أن لا تضعهما آخر لحظة.

_ ألن تتأخرا هذه المرة! سألت السيدة عياش

كانت الفتاتان قد نزلتا الدرج طابقاً تسحبان أيديهما على الدرابزين

_ كلا.. صاحت نائلة

تعثرت رغدة على الدرج لكن نائلة أمسكت بها.. ضحكتا وأطبقتا شفاههما بينما كانت كعوبهما تعطي رنينها الخاص عبر الطوابق الخمسة. منذ أسبوع اشتكت السيدة رفاعي التي تسكن الطابق الرابع من أن خطواتهما تسببان الصداع لها.

_ من خطواتنا.. جاوبتها نائلة.. وأضافت: ربما من الانفجارات عندما كان يطلقون النار.

 

انطلقتا في السيارة فظهر لهما زياد، الذي كان يراقب وصولهما بالتأكيد، عند الحاجز الرملي . ولوّح للجندي الواقف هناك بالتنحي.

قالت نائلة: اسمعي ما سيقول.. إنه سيكون شاعراً سورياً عظيماً إذا عاد إلى وطنه يوماً ما.

 

 --------------------

* من مواليد بيروت 1969 لعائلة أرمنية وأصول دانماركية. عايشت مع عائلتها الحرب اللبنانية حتى عام 1987، بعدها انتقلت للحياة في الولايات المتحدة. درست في الجامعة الأميركية في بيروت ثم تابعت دراستها في معهد ساره لورنس وجامعة ميشيغن. حازت على عدة جوائز ومنح وظهرت قصصها في عدد من المجلات الأدبية. لاقت روايتها الأولى نجاحاً كبيراً.

 

** كاتب سوري مُقيم في الولايات المتحدة

 

التالي  |  العدد الحالي  |  السابق  ]

 

 

التحرير:

فادي سعد

لطفي حداد

 

البريد الإلكتروني:

editor@almouhajer.com

 

للمراسلة:

2200 Kenyon Ridge CT

Newburgh, IN 47630

USA

 

هاتف :

+1 (708) 4880087

 

فاكس :

+1 (208) 7286136

 

 

 

 

 

Copyrights© 2004  Almouhajer Magazine .   All rights reserved   
Designed and Hosted by
Ofouq Design Group