|
تحيّة طيّبة
"النشر الالكتروني سيُغيّر بشكل جذري وتدريجي ملامح عالم النشر كما
نعرفه اليوم".
ليس هذا رأيًا شخصيًا، بل مقولة تتردّد كثيرا على صفحات الدوريات
الثقافية الغربية في شكل نبوءةٍ لاتمت بصلة إلى تداعيات الخيال
الأفلاطوني. فالمسألة اليوم على مايبدو لم تعد تتعلّّق بشرعية هذا
النشر أوانتشاره أو قدرته على البقاء ؛ هذا الموضوع قد حُسِمَ برأي
الكثيرين وتم الانتهاء من مناقشته. بل تتعلّق بمقدار التأثير
والتغيير الذي سيحدثه النشر الالكتروني وانتشار استعمال الأنترنيت
– في البلدان العربية خاصة- على النص الطباعي التقليدي وعلاقته مع
قارئه ( التقليدي أيضا) في هذه الحقبة من تطور البشرية.
قد تساعدنا مراجعة تاريخية قصيرة على فهم مدى تأثير الكومبيوتر على
الكتابة الورقية التقليدية.
من المُتفق عليه أن وسائل الاتصال مرّتْ عبر تطورها التاريخي
بثورات ثلاث أوصلتنا اليوم إلى مانراه من ثورة تكنولوجية في عالم
الاتصال. تجلّت الثورة الأولى في ابتكار اللغة الرمزية، فاستعمال
الرمز اللغوي لنقل المعلومة بشكل شفهي مايميّز الجنس البشري. لكن
بقيت هذه الوسيلة، على الرغم من انجازاتها الانسانية الهائلة،
مُقيّدة بالقدرات الفردية لعمليات التذكّر والإدراك، حتى استطاع
الانسان تدوين تجربته وأفكاره بشكل كتابي. كان هذا الانتقال إلى
الشكل الكتابي ثورة ثانية في التطور البشري مكّنه من القفز فوق
حدود المسافة والزمن، لتأتي ثورة الطباعة بعد ذلك وتبلور عملية
الديمومة والخلود للغة المكتوبة، فحتى ظهور الطباعة والمطبوعات
المتنوعة، كان النص يتّصف بالهشاشة ويعتمد على قدرة المحافظة على
جودة مخطوطة واحدة هشة بدورها. استطاعت الطباعة إدخال مفهوم
الديمومة وتعدد النسخ، وأعطت للكلمة والنص مساحة بصرية بشكل نهائي
ودائم.
من هنا، اُعتبرَ ظهور الكومبيوتر في منتصف القرن العشرين، ونتاجاته
المتمثلة بالنشر الالكتروني وغيره، امتدادًا لهذه الثورة الطباعية
بشكل ما مع الاعتراف بالخصائص المميّزة والفريدة لهذا الامتداد
الذي امتزج فيه عالما الأدب والتكنولوجيا بشكل قوي يرقى إلى اعتبار
هذه الظاهرة ثورة رابعة في عالم الاتصال الانساني.
إذا أخذنا بالأرقام التي يذكرها الباحث التونسي الأستاذ الحبيب
الإمام في كتابه "الإقتصاد الثقافي"، نقرأ أن معدل نشر الكتاب في
العالم العربي لم يتجاوز نسبة 0.7 % بحساب النسبة المئوية لحركة
نشر الكتاب في العالم في حين تصل نسبة النشر بأوروبا إلى 54% و23%
في آسيا حسب آخر تقارير اليونسكو. وضمن متعة استعراض الأرقام
الدالة على الحركة الثقافية العربية، نقرأ أنه في مجال توزيع الصحف
عبر العالم لم يتجاوز نصيب الدول العربية 1.52%، بينما تتجاوز نسبة
توزيع الصحف في أوروبا 24%.
طبعًا لاأحد ينكر ارتباط هذه الأرقام بالأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية في العالم العربي، ولكن تصدمنا هذه الأرقام في حجم
تخلفها عن الأرقام العالمية.
هل يستطيع النشر الالكتروني حل بعض هذه المشاكل وزيادة الاهتمام
الثقافي إلى درجات معقولة ؟
تختلف الإجابة باختلاف المُجيب. وإذا أردنا التركيز على قراءة
النتاج الأدبي، فمن الصعب على أي شخص إعطاء أرقام دقيقة عن أعداد
القرّاء لقصيدة شعرية عبر الأثير، لكن تواجهنا الصعوبة نفسها في
تقدير عدد القراء لنفس القصيدة لو كانت منشورة في إحدى الملاحق
الثقافية لإحدى الصحف. ويبقى في خانة المتحمسين للنشر الالكتروني
قدرة التأكيد على الأقل أن أي نص عبر الأنترنيت سيكون بالإمكان
قراءته في أماكن ومن قراء لاتحلم أي مطبوعة بالوصول إليهم.
لاشكّ أن شبكة الأنترنيت استطاعتْ فرض رؤية جديدة لمفهوم المسافة
بأبعادها الفيزيائية والثقافية والاجتماعية، كما أنّه لم يعد على
الكتّاب والمبدعين الانتظار طويلاً على عتبات أبواب الناشرين
ومسؤولي الصفحات الثقافية المقيدين بدورهم بتعقيدات المساحة
ومتطلّبات السياسات التحريرية. وإذا وضعنا جانبًا القلق المُبرَّر
على حقوق الملكية وإمكانيات القرصنة المُتاحة، نملكُ الآن عبر
الأثير منصة ذهبية ثابتة وجاهزة دائمًا حيث يمكن لكل نص أو فكرة أو
نتاج إنساني إبداعي أن يأخذ فرصته ويحجز مكانًا له - ولو لفترة
قصيرة- تحت ضوء القراءة والاكتشاف.
هذه الحريّة في الإبداع وهذا السحر الخاص المُلازم لفورية وعفوية
النقل والتلقي يقذفان بنا ضمن هذا الوسط الجديد في مغامرة من نوع
جديد، من الصعب الحكم عليها بشكل نهائي ، لكن بدأنا نرى ملامحها
الأولية تتشكل في تحولات كبيرة لامثيل لها في عالم النشر.
تعي المهاجر ، مع اقتراب بداية عامها الثاني واقتراب صدورها بشكلها
الطباعي الورقي، كما تعي مؤسسة جذور الوليدة في بداية انطلاقتها
أبعادَ هذه الظاهرة الجديدة. ومع إدراكنا الواعي لسلبيات أي ظاهرة
حديثة، يضعنا هذا الوعي في موقع المسؤولية إلى أقصى حدود اليقظة
والتنبّه. فالمعايير الضبابية غير الواضحة لعملية النشر عبر
الأنترنيت تستلزم من كل العاملين في موقع المسؤولية في هذا المجال
تحديدَ وممارسة معايير أكثر وضوحًا تشكّل معالم هذا النوع من النشر
بما يمكّنه من التطور والتوسع واكتساب مكانة لائقة إلى جانب النشر
الورقي التقليدي الرائد والمثال ليكون رديفًا له ، وليس بديلا عنه
حتمًا كما يخشى البعض.
في النهاية ، إلى أين سنذهب من هنا؟ إذا كان النشر الالكتروني
وُلِدَ من حاجة عميقة للتعريف بالذات وحبّ عميق للكتابة، فإن هذه
الحاجة وهذا الحب سينموان بشكل أكبر في ظل هذه السهولة في الوصول
للآخر. وماعلينا إلاّ أن نرعى هذه الوسيلة الجديدة بشكل يجعلها
تكبر وتنضج بشكل صحيح، دون انحرافات لن يستطيع الزمن محوها بعد
ذلك.....
ف.س
|